ملاحظة

الحليبُ والمداد! .

IMG_7626 (1)

المرأة بين مخاضيْن:

درَج عند الكُتّاب الأوائل تشبيهُ الكتاب بالولد، وإنزالهم الكتاب منزلته، هذا إن لم يكن عندهم فوق الولد!.
وأسرفوا في المفاضلة بينهما كما هو الشأن عند الجاحظ.
وكانت التجارب والشخصيات الأدبية منذ فجر التاريخ، كأنما خصّت ولادة الكتب بكونها مهمّة الرجال وحدهم، استأثروا بها دون النساء.
فلا يعجب أحدنا إذا قرأ ترجمةً لشخص آثر العلم والأدب وطلبه، على الأسرة وبنائها، وكان العكس محكوما بالندرة أو بالأصحّ: الشذوذ!.
فللنساء ولادة الأطفال والاعتناء بشؤون أزواجهن وأولادهن وحسبُ، وليس من شأنهن خوضُ عوالم العقل والمعرفة، بل والأدب.
حتى جاءت طائفة من الأمهات الكاتبات، والكاتبات الأمهات، لتغدو ولادتهنّ مزدوجة، فيضعن أطفالًا وكتبًا، ولقد استحال الحليبُ مدادا مدرارا يغذو من قرأ كلماتهن، كما يغذو حليبُهنّ أطفالَهنّ.

المرأة المؤلّفة في مواجهة السلطة الثقافية:

ساقت أليف شواهد غير يسيرة من شتى الثقافات عن نضال النسوة اللاتي يغريهن خضابُ المداد على خضاب الزينة، لتبيّن أن الشأن لم يكن شأن ثقافة دون أخرى.
لقد افترضت عدة أسئلة مربكة، اقتبستها من فرجينيا وولف (ماذا لو كانت لشكسبير أخت مبدعة لها ذات موهبته؟ )
هل كانت ستحظى بما حظي به؟ فيُعرف لها حقها من الموهبة وحظّها من العبقرية! .
وماذا لو أن صوفيا زوج تولستوي كانت هي الروائية التي لها عبقريته، أكان تولستوي سيعينها فينسخ مسوّدات روايتها على ضوء الشمعة الواهن بيده الكليلة، محتملا في سبيل زوجه، وممتلئا فخرًا وحبًّا؟
وأوردت شفق مقارنات بين زوجين مبدعين، يشقّ فيها الرجل حياته الإبداعية بيسر واطمئنان في مقابل زوجه، ولا تنزع منه الأبوّة ذرّةً من إبداعه، وكيف تغرق الزوج المبدعة بعد أمومتها في وابل من المسؤوليات التي تجعلها تتخلى عن رضا كل ما استطاعت في سبيل أبنائها، لتجد لاحقًا أنها ضحّت بما كانت تسعى إليه وبأخصِّ مواهبها، فتقول: ” قد لا تسبّب الأبوّة اضطرابًا هائلا في حياة الرجل، كما تفعل الأمومة في حياة المرأة” .
ووصفت المسؤوليات التي تقابل المرأة الموهوبة بوصفها زوجا مثالية، ومدبّرة منزل مخلصة، وأمًا منكرةً لذاتها بمثلّث برمودا! وكيف أن مبدعات لا عدد لهن من أقطار متوزّعة على الأرض، اختفين في دوامة برمودا تلك! .
لقد تذكرتُ وأنا أقرأ تاريخ النسوة اللاتي كنّ يجاهدن في سبيل حق إبداعهن بشباة القلم، ذلك السؤال الذي تحيّر منه بيجوفيتش عندما قال إنّ أحد الحجج التي احتجت بها الحركات النسوية في القرن الماضي، هو أن المرأة طالما عُرفت بوصفها أمًا لا غير، وآن الأوان لتُعرف بوصفها ذاتًا مستقلّة.
وكان سؤال علي عزّت بيجوفيتش عن الفارق بين المرأة أمًا والمرأة بوصفها ذاتا مستقلة، ولمَ هما شخصيتان متناقضتان؟ فقد اعتقد دائمًا بأنه لا يمكن أن يوجد شيءٌ أكثر ذاتية وغنى في شخصية المرأة من كونها أمًّا، فالأم أسمى شخصية.
ويبدو سؤال بيجوفيتش منطقيًا إن شوهد من زاوية مفصولة عن الإطار التاريخي والثقافي، فما الذي دعا الحركات النسوية لمحاربة ما هو أجلّ وظائف المرأة؟
إن الإشكال في ذلك هو ما عرضته إليف في كتابها، وهو خاصٌّ بالنسوة الممتلئات شغفا وخيالات خلّابة، وطاقات متفجّرة يردن لها فضاءً لم يُمنح لهن، فرأين أن الثقافة سلبتهن إياه لصالح الأمومة، فالتورط بالأمومة يجعل كل ما في المرأة مسخّرًا لأطفالها، ناذرةً في سبيلهم كل ما امتلأت به من طموحات وأفكار وحياة.
لقد بعثت شفق تجارب كاتبات سابقات، ووضعتها تحت ضوء الأمومة والواجبات، لتجيب عن سؤال ( ماذا لو كانت المرأة كاتبة – أي ذاتًا مستقلة بإبداعها- وزوجًا وأمًا في وقت واحد؟ )
فهل توفّق بين أدوارها بمهارة ونجاح دون التقصير بجانب منها؟
فقد كان يتهدد الكاتبات فيما مضى وما زال، جانبان لا يستهان بهما، الجانب الخارجي الذي تشكّله ثقافة المجتمع وما تفرضه على أصحابها، والجانب الداخليّ الشخصي للكاتبة الذي يجعلها منفلقةً لأجزاء، ومتذبذبة، ففيها الشخص المتحدي المغامر الذي يغريها بالمجازفة وكسر نمط الثقافة لفرض طاقتها الإبداعية عنوةً، وجانبها المتعقّل المتحلّي بالرصانة، الذي يملي عليها ما تفرضه الثقافة الخارجية.
فإن تغلبت على الجانب الأقرب ووفقت بين ما اختلف فيها، بقي التحدي الأكبر، والأضخم: العالم الخارجي.
لذا كان شعار الحركات النسوية شعارًا ضد المضمر في الثقافة، الذي لا يراعي في المرأة طاقاتها الإبداعية ويختزل دورها زوجة وأما، ولا يمد لها يد العون لتثبت أمومتها وإبداعها في آن.

-التجربة ولادة، والولادة تجربة:

لم يكن الكتاب خاصًّا بموضوع الأمومة والكتابة فحسب، بل رأيته أشملَ وأعمَّ..
فكان رمزًا عن كل التجارب التي نتوق إليها ونخشى خسران شيء من ذواتنا فيها، عن العوالم المغرية والمحفوفة بالمجهول.
عن خشيتنا من خسارة شكل الحياة التي ألفناها وسكنّا إليها واطمأنّت النفس في جوارها، لكنها تبقينا حيث نحن، ولا تجتاز بنا جسور أحلامنا.
ونظل في شوق إلى المضيّ والتجاوز، لولا أننا مقبلاتٌ على حياة مغيّبة وراء أستار المستقبل، وتضطرنا تلك الحياة في مسيرنا إليها على خوض اختبارٍ ممضّ على كل المستويات، داخليًا مع الذات، وخارجيًا مع المجتمع، حتى نرى في أنفسنا التي ظنّنا أننا نعرفها شخصيات غريبة عنّا، تكشّفت لنا وهي ما لا عهد لنا بها! .
قالت ذلك أليف في كتابها ضمن تجربة ما بعد ولادتها، فكأنها جعلت كل ولادة تجربة، وكل تجربة ولادة.
لقد كان كتاب (حليب أسود) بمنزلة المصباح الذي أضاء جوانب معتمة من روحي، وأعماقا سحيقة منسيّةً في ذاتي، لفّها الصمت، وتُركت للأيام حتى تواريها عني، رغم كونها هاجسا مقلقا يقفز إلى السطح إذا حلّ موقفٌ يزعزعها من قاعها، أو تورّطتُ بما يُضاد آمالي الزهيدة فيهددني بانتزاعها مني! فيغريني بالمغامرة والجهاد في سبيلها.
و دون شعورٍ بما سيحدثه الكتاب عند خروجي منه، فقد بعثر ما استجمعته في داخلي لزمنٍ غير يسير، وخبّأته في مكانٍ مظلم؛ ظانّةً أني بمنجى منه عندئذ، فقوّضت إليف شفق ذلك الوهم الساكن زمنا، بأسئلتها عمّا نريده وما نسعى إليه، نحن النساء الطموحات، اللائي نبني أحلامنا ونسعى لحمايتها، ونعلم أن المسعى إليها مضنٍ ومرهقٌ وشاقّ، فتارةً يهددنا المجتمع الخارجي؛ إذ تجد إحدانا ذاتها تلقاء ثقافة تفرض عليها شكلَ حياتها وتملي عليها ما يجب أن تكونه، وتارة نقع في فخٍّ داخليّ، بين ذواتنا المتشظيّة، ومسؤولياتنا وكيفية التوفيق بين مكانتنا في المجتمع، وبين ما تخيّله لنا آمالنا لنكونه.
لقد فهمتُ الأمومة في كتاب شفق، أنها قد تكون الأمومة على حقيقتها التي هي أقصى تجلّيات المرأة وخير وظائفها، أو أنها رمزٌ لمركزٍ مفروض علينا، له واجباته التي ينبغي أن نؤديها، بجانب طموحاتنا الكبرى، وكيف نوفّق بين كل الفرص التي قد تعرض لنا، ونمزجها مع مركزنا الأساس.
جاء على لسان امرأة الإصبع الدرويشة كما أسمتها ( وهي إحدى الشخصيات التي صورتها أليف على أنها جزء مكوّن من شخصياتها الداخلية المتناقضة) عندما فوجئت أليف بقبولها في برنامج الابتعاث وأصبح حلمها حقيقة، فثارت مخاوفها من خوض التجربة والإقبال على الفرصة، فردّت عليها الدرويشة التي بداخلها ناصحةً إياها بأن هذه المنحة الجامعية فرصة للسفر إلى الأعماق، لا السفر من أجل الدراسة وحدها، فكل تجربة وفرصة نخوضها تكشف عن زوايا مجهولة فينا، وتفجر نبعًا متدفّقا مخبوءًا في النفس، لا نعلمه في ظروفنا العادية، سيجعل ذاتنا أكثر نضرةً وازدهارا .
والزوايا التي يمكن قراءة كتاب شفق منها، زوايا متولّدة ولا نهاية لها، تشبه مرايا متقابلة، تولّدُ صورًا لا انتهاء لها عن الذات.
أرضخت أليف تجربة اكتئاب ما بعد ولادتها إلى نموذج أعمق وأشمل، وأثبتت أنها استطاعت أن تلد مع ابنتها كتابًا بديعًا طريف الموضوع! فالحليبُ الأسود، استعارة لطيفة للتوفيق بين جانبين ظنّ السابقون أنهما متضادان، يتدفّق الحليب ويتدفّق المداد من المرأة المبدعة دون تحيّز لجانب على الآخر، وهما تحدٍّ جبّار يستفزّ طاقات المرأة، وليس بمستحيل التحقّق.
وختامًا أعتقد أن قارئ هذا الكتاب لا يمكنه أن يخرج دون أن يحدث الكتاب فيه تغيّرا، فإن أحسن اختيار زوايته التي تعنيه في تجربته الخاصة، تفجرت له معانٍ لا قبل له بها! .

” اكتب عمّا تدري… تستكشف ما تجهل “

أشعر بحسرة عندما أرى أكوام الورق التي عكفت عليها أياما في سبيل فكرة، وتضمنت ساعات من وقتي وأنا أبحث وأجوِّد وأنقّح، لكن لم أجرؤ على بعثها من مهدها، وأبقيتها في مأمن النسيان.
عدم الرضا والسعي الدائب للوصول بالفكرة إلى غاية الكمال ذلك ما يجعل سعيي كأنه لم يكن، مع أن الأمر لا يعدو أن تكون مقالة على الشبكة، لا كتابًا علميًا سأحاسب عليه.

وأثق أن الكتابة لا يمكن أن يستجاد نسجها وتتطور، إن بقيت في معزل عن النشر.

تذكرت بيتا يعني لي كثيرا من قصيدة للبردّوني:
” اكتبْ عمّا تدري… تستكشف ما تجهل! “