ما لم تدركه أعين (هوليود) !: زمن البغال المخمورة

إضاءة:
هذه القراءة ربما (أقول ربما ولا أجزم) أفسدت على من يرغب مشاهدة الفلم، فإن تكن عازما على مشاهدته فإني أفضّل أن ترجئ قراءة هذه التدوينة.
تحرير لعنوان الفلم:
في الأصل نُشر الفلم بترجمة تحمل عنوانَ ( زمنِ الخيول السكرانة) .
 وأرى أنها ترجمة حرفية لم تتحر الدقّة، إما بسبب المخرج ذاته الذي ترجمه للإنجليزية، أو لأسباب لا أعلمها، وسبب عنايتي وإسرافي في تتبع العنوان هو ما أعتقده من أهمية بالغة لدلالة العنوان ووضوحها؛ لكونها العتبة الأولى ومفتاح لما بعدها..
فوجدت أن الأحرى أن يكون: زمن البغال المخمورة.. لا الخيول؛ لأني ترقبت مشهدا واحدا للخيل ليكشف لي عن العنوان، فلم أجد غير البغال..

a-time-for-drunken-horses

وبعد مشاهدة الفلم تبيّن لي خطأ الترجمة وعدم عناية المترجم لمضمون الفلم.
واخترتُ: المخمورة، لأني على مذهب من لا يرى فصاحة كلمة (السكرانة) للمؤنث، ولكون الوصف (بالسكرى) وهو الأفصح مهجور الآن فاعتضت المخمورة عن (السكرانة) – وأراني أبيح لنفسي التصرف في الترجمة في غير موضع – 🙂 
A Time for Drunken Horses 2-750x460

-الرؤى التي تولدت في قلبي بعد الفيلم:

الشعور الذي أحسستُ به بعد انتهاء الفلم أعادني لبداياتي الجامعية – بخاصة – مع أيام الشتاء الجاف البارد، وبداية مرحلة دراسية تستغرق مني الركوب فجرا منذ الساعة السادسة صباحا للوصول إلى الجامعة، بعد أن أجوب طرقات أجد أني في غناء عن دخولها وأجد أن الأحرى أن لا أخرج إلا قبيل وقت الدوام الرسمي، متوجهة مباشرة للجامعة.
 ورغم أن الأمر لم يشكل على قريناتي ورفيقاتي، فإنني قاسيت في تقبّل معنى هذا التوهان اليومي السخيف، ومشكلة المواصلات الحمقاء، لقد كانت طريقة تفكيري المنطقية ومطالباتي في الحياة بالحلول المثالية مكدّرة لعيشي زمنا.. فتثقل علي أسئلة من نوع: ( لماذا يحدث كذا والأولى أن يكون كذا؟ لماذا تجري الأمور على خلاف ما تستلزم.. وسيل من الـ (لماذا) التي لا تجد جوابا ليجعل هذا الجوابُ الحياة أخفّ رهقا! ) 
حتى تكرر على مرأى عيني مشهدٌ جعلني أنفض عن نفسي مثالياتها، ومطالباتها الحياةَ بشروط تافهة. 
لقد هدم مثالية تفكيري ومطالبتي بالأكمل تأمُّلي الصباحي في ذلك الشتاء البارد، لعمالة وافدة حُشرت في مركبة ضيقة صالحة للبهائم أكثر منها صلاحيةً للبشر، وكانت تتجه يوميا لمنشأة حضارية هي واجهة للمدنية الحديثة ورفاهيتها.
( وما أعجب أن يتكرر حتى اليوم مشهد الفراعنة الذين يختالون بأهرامهم على حساب المستعبدين الذين أبدعوا ما أبدعوا تحت سياط القهر والإذلال! ) 
كان المشهد ينفذ لأقصى نفسي، ويزلزل منطقيتي، ويجعلني في مواجهة الحياة..
فما معنى أن تجد نفسك في مدينةٍ قصيّةٍ غريبة؟ محشورا مع جمع من البشر التعساء، تعرّض نفسك لمخاطر وأهوال لإنجاز بنيان لن يُذكر بعد تمامه أن يديك برعت في صنعه، أو أنّك لقيت في سبيل تجويده حتوفا لم تهمّ أحدا.
إنك لا تجني منه سوى ما يقيم أودك، ويضمن بللَ ريقك، وتعود بعد مشيبك وجفاف معينك (قوّتك الجسدية) إلى وطنك، وبيتك ثم تموت في صمت بعد تأديتك دورا تافها في الحياة كان ستارًا لك تظلل به معنى الوجود والغاية!
.. ثم تموت كما عشت: مجرد رقم لفظ أنفاسه
لقد كنت أفزع من نهاية الموت رقما، يذكر في نشرات الأخبار في أحسن الأحوال، أو في إحصائيات روتينية بليدة بلا اكتراث عن هُويّات القتلى والجرحى! .
حتى تبيّن لي أن هناك ما هو أسوأ من أن تموت عددا، وذلك أن تموت ولمّا تدخلْ في إحصائيات التعداد السكّاني أصلا، ولم تجهد الجهاتُ الرسمية بتسجيل اسمك، فلا يُعبأُ بك لأنك عبءٌ على آخرين، بل إن موتك يعدّ غنيمة لهم.
هنالك وعيت أنّ في الحياة وفي زماننا زمنًا قاتما، ومكانا مسيّجا بسرادق الشوك والبارود والدم المنسيّ، تسفك فيه الطفولة، وتُحارب الحياة فيه بلا هوادة، ثم تشقّ الحياة لنفسها طريقا متحديةً أسباب الموت..
وهنا لن تشاهد بهارج هوليود، ولا جهارتها المزيّفة، هنا الحياة إذ تبزغ رغما عن أعدائها، هنا الهامش الذي لم يتحدث عنه الإعلام! .

 

 

 

 

 

 

One thought on “ما لم تدركه أعين (هوليود) !: زمن البغال المخمورة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s