إلى ميزان الرجولةِ الأول، حبًّا وعرفانا!

“وكلُّ الناس يا أبتي مياهٌ
ووحدُك زمزمٌ يروي فؤادي! “
إذا كانت عاطفة الأمومة مفهومة – بالنسبة إليّ – لكونها عاطفةً تخوضها المرأة جسدًا وروحا طورا بعد طور، فتتنشّأ في مقامات الرحمة، ودرجات الحنان حتى لا يبلغ مكانتها أحد، وتتشرّبها جوارحها حتى تفيض بها..
 فإن عاطفة الأبوّة لا ينقضي تأمُّلي لها؛ لأن التجارب التي يخوضها الأب أقل مساسا به، وليست بظاهرة، ثم لا تفتأ أبوّته تتفجر دفاقة وبخاصة: إن كانت العلاقة بين أبٍ وابنته! 
 وفي الأدب والتراث شواهدُ يُغفل عنها ولا تستحضر سوى شواهد الوأد!
 عن رجال تهابهم الأبطال، أو تشهد الأخبار بأن معاركهم التي خاضوها إنما كان مبعثها أبوّتهم وبناتهم! 
فإذا أراد الأبُ الشاعر التعبير عن مبلغ انكساره، وذبول فؤاده وانفطاره، لم يجد أبلغَ من التوجّه بالخطاب إلا إلى ابنته، أو تصوير مشهدٍ تتسيده ابنته، ليُنبأ أظهر نبأ وأبينه عن تصرّف الدنيا فيه، ونيلها منه، ومطارح النوى التي طوّحت به الآفاق لأجل محبوبته وقطعة قلبه/ ابنته..
فمن مثل ابنته التي كانت له قادحة آماله، ومُورَيةَ عزمه؟ 
فانظر لأعشى ميمون الشاعر مصورًا ساعة رحيله لسعيٍ حثّته إليه أبوّته، وكيف تتوجّه إليه ابنته بالدعاء: 
“تقول بنتي وقد قرّبتُ مرتحلا … يا رب جنّبْ أبي الأوصابَ والوجعا
عليكِ مثلُ الذي صلّيتِ، فاغتمضي … نوماً فإنّ لجنب المرء مضطجعا “
أو قوله مصوّرا خطابهما:
تقول ابنتي حينَ جدَّ الرحيلُ … أرانا سواءً ومن قد يَتُمْ
أبانا! فلا رِمْتَ مِن عندنا … فإنا بخيرٍ إذا لم تَرِمْ
ويا أبتا، لا تزلْ عندنا … فإنا نخاف بأن نحترم
أرانا إذا أضمرتك البلادُ … نجفى ويقطع منا الرحم
فأنت ترى في الأبيات الأولى ابنته وهي تنطق بخوف ووجل بدعاءٍ تفزع به إلى الله، فيرقُّ الأب وينصدعُ صبرُه، وينفرط عزمه، فلا يجد أمرًا يوصيها به خيرا من النوم والاطمئنان، وأنّى لها ذلك؟
وتارةً يكشف لك خطابُها الذي لا تواري فيه فزعها من الفقد، ووجعها من الفراق، مبلغَ ذلك الخوف الذي يحيق بها، والهلاك الذي تراه يطيف بها مهددًا إياها إن غاب والدها، فترجوه البقاء، وتصارحه بأنه شعارُ أمنها، وجالبُ استقرارها، وأنه بقربه سيكفيها أمورًا لا احتمال لها بها ببعده عنها. 
ثم أذكر في سياق الأبوّة، والحرب، والأسر، ما نهجه أبو فراس الحمداني، عندما رثى نفسه في أسره رثاءً بديعا موجعا، لمّا أيقن بدنوّ الأجل.
فلم يكن أبو فراس أول من رثى نفسه قبل موته، فقد وُجد قبله غيره، أبرزهم: مالك بن الريب، لكن الخلاف بينهما بيّنٌ، فقد كان مالكٌ متوجها إلى نفسه بخطابها، بأسلوب التجريد كما يعرف عند البلاغيين (مخاطبة شخصين متوهمين، يمثل أحدهما في الحقيقة نفس الشاعر)، وقد يوجد عند سواه رثاءٌ للنفس بخطابها مباشرة دون اللجوء إلى التجريد، كأنهم لم يجدوا خيرا من أنفسهم ولا أعزَّ من هذه النفس المغدور بها بأن يتجه الرثاء إليها فيبلغها ويكون لها معذرة! .
إلا أنّ رثاءَ أبي فراس يفوق رثاء مالك بن الريب وغيره، وهو عندي أوجعُ وأمضُّ وأنفذُ في البيان؛ لكونه قد خرج عن هذا السَنن  في رثاء النفس، فلم يجد له من أحد يُشركه في مصابه، ويكون قسيمه في فاجعة نفسه أعزَّ من ابنته، فيتوجّه إلى خطابها، ويبلغها بالفجيعة قبل وقوعها، ويأمرها بالصبر والتحسّر والنَّوح معا! 
أبنيّتي، لا تحزني! … كلُّ الأنامِ إلى ذهابِ
أبنيّتي صبراً جميلا …. للجَليلِ مِنَ المُصَاب!
نُوحِي عَلَيّ بِحَسْرَةٍ ….من خَلفِ سترِك وَالحجابِ
قُولي إذَا نَادَيْتِني … وعييت عنْ ردِّ الجوابِ 
زينُ الشبابِ أبو فراسٍ… لمْ يُمَتَّعْ بِالشّبَابِ!
فشهوة الحياة والحسرة على الشباب قد تهون وتضمحلُّ في موضع الأسْر إلا على الأب! 
وانظر إلى قول شاعرٍ آخر عن بناته في معنى حبّ الحياة والاستمساك بها لا لذات الحياة، إنما لزينتها:
لَقَدْ زَادَ الحَيَـــاَة إِليَّ حُبّاً… بَنَاتِـي إِنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَاف
مخافة أنْ يَرَيْنَ البؤسَ بَعْدي … وأن يَشْرَبْنَ رنقاً بعدّ صافٍ
وأن يَعْرَيْنَ إن كُسِي الجَوَاري… فَتَنْبُو العينُ عن كَرَم عِجَافِ
ولولا ذَاكَ قد سَوَّمْتُ مُهْـري … وفي الرَّحْمنِ للضُّعَفاءِ كَافِ
فلله آباءٌ أدركوا تكاليف الأبوّة، حتى تعلمت بناتهم أبجديةَ الرجولة ومعناها! 💚