قراءة في قصيدة ( إلى أمي ) لمحمود درويش..

 

كان آخر ما نشرته عن عاطفة الأبوّة مع الابنة بخاصة، واليوم أعود لأنشر عن عاطفةٍ لا يحيط بها بيان، ولم أكن لأجرؤ على حشد الحروف لولا أني وجدت نفسي مضطرة للحديث عن قصيدة درويش وأثرها في نفسي!

unnamed

في إحدى المرّات التي صافحت فيها أذناي مطلعَ قصيدة درويش، واعترافه بالحنينِ إلى أبرز مظاهر الحياة اعتيادًا، وأيسرها مما تغصُّ بها تفاصيل أيامنا ونحن عنها في غفلة الألفة ودَعَة التعود، تذكرتُ مقطعا من رواية (تلك العتمة الباهرة) وقد كان من أرسخ المقاطع في ذاكرتي وأبقاها على تعاقب ما قرأت؛ لتنويهه بما غاب عنّا من نعم في لجج الاعتياد حتى تكاد النفس لا تحفل به.

يقول بطلها وهو في ظلمات سجنه:

نَّ أكثر الأمور الاعتيادية تفاهةً، تصبحُ في المحن العصيبة غير اعتيادية، لا! بل أكثر ما يُرغب فيه من أمور الدنيا)

ودرويش قد كنّى عن البلاء الذي استطال عليه بغياب تلك الحاجات اليومية البسيطة، ثم بنسبتها إلى أمه (خبزها / قهوتها / لمستها) ثم يسبقها بالفعل المضارع الذي يدلّك على استمرار هذا الحنين واستعاره، واستبداد تجدّده وتوقّده: (أحنّ) فأيُّ حنين!

وأيُّ شيءٍ أفزع على النفس من أن تُنتزع إبّان عيشها من أقدس مغاني الحياة، وتُحلّأ عن أعزَّ موردٍ منعّم، عرفت منه وبه حلو الحياة، عن الأمّ والوطن!.

إلا أنني أعود للمطلع فأستجلي عن خبرٍ مُبلغٍ عن تلك الفاجعة بلفظٍ مكافئ، فما أجده إلا أنه قد اكتفى بالحنين وحده، ولا يسخو فيبلغ ما يراد من تأدية المعنى، وما توصّلنا إليه لم يكن إلا بطول نظر واعتمالٍ للتأويل.

فأي نفسٍ تلك التي تُسلّطُ عليها عوادي الظلم، ويُحال بينها وبين ما تشتهي من موارد الحياة فلا تشكو سوى الحنين؟ إن الحنين في هذا المقام لآهةٌ رقيقةٌ لا تكاد تبلغ وصف دركات الشقاء، وأنَّةٌ واهنة لا تكشف مقادير التفجّع والتوجّع.

 

لكنّ درويش في المقطع الذي يليه يتفوّق، ويبلغ غاية النُجح في رسم صورةٍ شعريّةٍ خلّابة الخيال! لم يقع على بصري أو سمعي ما يقاربها روعةً وبهاءً، فهي تذكّرنا بأنفسنا لحظة مغيب أمهاتنا واختلال الحياة التي ظننا أنها بمجرد تطاول الأيام، واكتسابنا منها عمرًا، قد خولّتنا للاستغناء عن أمهاتنا، فإذ بالطفل فينا ينتبه مروّعًا! كأنما أيامُ البعد تغذوه فينمو، ويكبر وتكبر معه أشباح الخوف والهلع لمغيب أمهاتنا، وانظر إلى قوله خاصة:

وتكبرُ فيَّ الطفولة ..

وهي لفظة موحية شديدة الأثر والتخييل، كأنما استجمعتْ سحرها من قوله (فيَّ) فلم يقل: فأصغر أنا، فأعود طفلًا  -كما يُشاع عند من يقول: يبقى المرءُ رجلًا فإذا ماتت أمه عاد طفلًا، لا! بل إن الطفولة تقتحمه وتدهمه وتكبر داخله فتخيّل له بدءًا أن قادرٌ على احتمال البعد، حتى لا تبقي فيه سوى مظهر الرجل دون جَنانه وتثبّته واصطباره!.

ثم ينتقل من تلك الصورة المقلقة، إلى خبرٍ يسوقه إليك، كأنه يتجلّد فيه بعد جزع، وهو لا ينسى التعليل.. فيقول:

وأعشق عمري

لأنّي؛ إذا متُّ، أخجل من دمع أمي..

 

فها هو يقبل التضحية مختارًا، ويؤثرُ فوْتَ أمّه دونَ فوته، ويختار البقاء بعدها غيرَ مبالٍ بطفولةٍ جبّارةٍ جائرة، يتعاظم سلطانها وتلّحُ بحاجاتها التي ترى أن لا غنى لها بها عنها (الخبز، والقهوة، واللمسة)  فيضرب صفحًا عن تلك الطفولة الشقية، ويختار لها – إيثارًا على كراهة – أن يمتدَّ شقاؤها فلا يتعجّل مغادرة الدنيا، وليس للدنيا ملذات ولا طيّبات فيستبقيها حبّا لها، وما آثر الحياة إلا خشية التورّط في شقاء من كانت له مصدر سعاداته لحظة خمود أنفاسه ومواراته الثرى.

(فهيهات يا درويش تلك الأمنية! فلقد سبقت في فوتك، ومضيت ومضى الطفل فيك وما بلغ مآربه التي سكنته،  ولم يشفع له عند العمر عشقه إياه فيمهله!)

ثم انظر أيَّ منزلق قد انزلقت به كربات البلوى حتى جعلته ينحت صورًا مُعجبة من صخرة الأسى ومرارة الفقد، وأيَّ لوعةٍ وهجرٍ حُكم عليه فصيّر تشبيهاته ولوحاته في طلب العودة أرقَّ من الماء، فيقول مخاطبًا ( أمًّا ودارًا) :

خذيني إذا عدتُ يومًا

وشاحًا لهدبك

وغطّي عظامي

بعُشبً (تعمّد) من طُهْر كعبك

إلى نهاية القصيدة، فهو يستلذُّ قربها ويتنعّمُ به ويكفيه من ذاك القُرب لو كان (وشاحًا) أو (عظامًا) مغطاة بعشبٍ يختال باغتساله وتعمّده من أثر عَقِبيْها، وخلوصه خلوص الطهارة والنقاء بما مسّ من مواطئها الطاهرة المطهِّرة!.. بل يكفيه لو شُدَ شدَّ الموثّقِ الأسير بخصلةٍ من شعرها، ليشعر بحريّة روحه ..لا! بل إنه يكفيه أن يكون من القرب بمنزلة ما تعلّق بخيطٍ منسلٍ من ذيل ثوبها! .. ويكفيه أن يكون مجاورًا لها ولو أوقدت به تنوّرها، أو علّقت عليه ثيابها..

يكفيه كل ذلك مما تضاءل وتصاغر وهان واسترذل في العيون واستهانت به النفوس، ولكنه ما أن يلمس قرارة قلبها، حتى يستحيل إلٰهًا! ( ويا ليته إذ بالغ فأغرق، أن بدّل بلفظ اللمس فاختار المسّ، فإن موقعها أجدر في نظري وأشهى وأحلى! )

 

unnamed-1

بقي أن أقول فأختم:

إن نصَّ درويش من طراز محيّر، فلا أشكُّ هنيهةً بأن الصور الشعرية فيها تتفجر دفّاقة بمعانٍ يتولّد السحر منها ويستحوذ على القلب بسلطانه، بيد أنَّ تراكيبها المؤدية لتلك المعاني والصور وألفاظها المختارة لا تساوق المعنى في علوِّه وإبهاره وبهائه!

ومن نتيجة افتقار التركيب واللفظ إلى الروعة والانسجام أنه ليس للقصيدة إيقاعٌ وصوت يهزّك، باستثناء ما في تكرار لفظ (أمي) في مطلعها، ثم الاستعانة بكاف المخاطبة في المقاطع التي تليها: (هدبك/ كعبك/ثوبك/قلبك/نارك/دارك/نهارك/انتظارك)

وربما لذَّ وقعُ ذلك على طائفة، وارتأت في التكرار سرًا وسحرًا! إلا أنَّه في أذني ينبو ولا يجد أريحيةً أو قرارًا، ولا أرى في هذا التكرار المُضجر إلا إثقال المعنى بقيدٍ ترسف فيه الصور والمعاني، فما من شفيع لها عندي في باب الشعر، سوى اجتراح درويش لمعانٍ مبتكرة، وتوليده لصورٍ تكاد تثب وتهتزّ مما تضمره من الحياة والألوان! .

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s