صورة

أبعاد الشخصية التقليدية في الرواية ( مقال لدوستويفسكي) .

كيف يمكن أن يخلق الروائي الواقعيّ نموذجًا للشخصية العاديّة المجردة من مزايا البطولة؟

دوستويفسكي يجيب..

images

 

 

       إنّ معالجة الرواية الواقعية التي برزت في الأدب الروسي (بصورة أكثر وضوحًا وشيوعًا)   قد أثارت عند بعض الروائيين قضيةَ الشخصيات الهامشية التي تقوم بإزاء شخصية البطل، تلك التي ليس لها حظٌّ من مقوّمات التميّز..

        وهذا النصُّ الذي سأورده، مقتبسٌ من رواية (الأبله) لدوستويفسكي، حيث كانت روايةً زاخرة بنماذج شخصية متباينة في طبائعها وأمزجتها وذكائها، جمعتها الرواية في قالب شديد السبك غير متنافرٍ فيما بينه، وكثيرا ما كان يقطع دوستويفسكي السرد كعادته، ويُروِّح عن قارئه بنصٍّ هو أقرب للنقد الاجتماعي، أو للنقد الأدبي، من أجواء الرواية السردية والوصفية.

         فهذا النصّ يحمل دلالاتٍ عميقة تعين القارئ مزيدًا من العون في أن ينفذ إلى الروح الداخلية للشخصية التي هو في سبيل إيضاحها، ولينفذ إلى أغوار المجتمع الذي تحجب حقيقته سحائبُ من التقاليد والعادات والرسوم التي اصطلح عليها الناس في ذلك المجتمع.

        وجاء هذا العرض في بداية الفصل الأول من الجزء الرابع للرواية ( ج:2 / ص: 253 وما بعدها) خصّصه دوستويفسكي للحديث عن النماذج الشخصية الروائية بعامّة، وكيفية بناء الروائي للأنموذج الفني للشخصية، ثم أفرد حديثه مستفيضا عن أنموذجٍ يمثل فئة مجتمعية لا غنى عنها في الأدب الواقعي –تحديدا- ولا سبيل إلى تجاوزها.

        بل إنّ لها من تحريك الأحداث الشأنَ الكبير، وهي تؤثر على الأبطال الحقيقيين، وهذه الفئة هي أكثر مادة المجتمع، ألا وهي فئة ( الشخصية العاديّة ) أو ( الناس التقليديين ) المتجرّدين من كل مزيّة بطولية، بما في معنى البطولة: إيجابًا أو سلبًا..

           فقد توجّه همُّ أغلب الروائيين والقصّاص إلى رسم الأنموذج البطل وإبرازه، أو الأنموذج الشاذّ أو المميز عن أغلبية الناس، لكنهم لم يتعرضوا مطلقًا للشخصية العادية التي لا تمتاز بشيء، وليس لها في واقعها إلا السعيُ إلى إثبات اختلافها ولو كان ذلك الاختلاف لا يتحقق إلا في الشذوذ عمّا ألفه الناس، وإلى تكلّف ما يضاد طبيعتها العادية؛ سعيًا منها لإثبات نفسها واختلافها الذي لا يقوم له سببٌ من طبيعتها، وهذا الملمح الفنّي الذكي من دوستويفسكي كان سعيًا عبقريًا ليصف به شخصية (جانيا) وأخته (فاريا) ..

       إنّ سقوط هذا النص من رواية الأبله ما كان ليطلعني على حقيقة هاتين الشخصيتين، ولا إلى إدراك مسعاهما، ولا إلى أهمية تلك الفئة التي لم أكن أفكر بها قبل ذلك! هذا النصّ قد أكّد لي أن دوستوييفسكي ناقدٌ بصير في الأدب والرواية قبل أن يكون روائيًا! .

       فيقول دوستويفسكي عن هؤلاء وعن قضية رسم النماذج الروائية:

” … هناك أناسٌ يصعب على المرء أن يقولَ فيهم شيئًا يصفهم ويصوّرهم دفعةً واحدة, في أبرز ما يخصّهم، وأوضح ما يميّزهم، أولئك هم الذين اُصطلِح على تسميتهم باسم (العاديّين) وهم أكثريّة المجتمع في الواقع.

        إنّ الأدباء يجهدون في رواياتهم وأقاصيصهم، أن يختاروا نماذجَ اجتماعية، وأن يرسموا هذه النماذج الاجتماعية في أقوى صورةٍ جذابة وأجمل أداءٍ فنّي.

        وهذه النماذجُ لا توجد في الحياة كاملةً ذلك الكمال إلا استثناءً، غيرَ أنّ هذا لا ينفي أنَّ الأفرادَ الذين يُصَوَّرون هذا التصوير هم أقرب إلى الواقع من الواقع نفسه إن صحّ التعبير.

       إنّ شخصية (بودكوليوسين)، قد تشتمل على مبالغة من حيث كونها أنموذجا، ولكنّها ليست وهمًا صنعه الخيال، فما أكثر الأذكياء الذين ما إن عرفوا شخصية بودكوليوسين التي صوّرها (جوجول) في مسرحيته، حتى وجدوا بين أصدقائهم ومعارفهم عشرات، بل مئات من الأفراد يشبهون هذه الشخصية، كما تشبه قطرةٌ من الماء، قطرةً من الماء! .

      بل إنّ هؤلاء الأذكياء كانوا- حتى قبل قراءة جوجول – يعرفون أنّ أصدقاءهم يشبهون بودكوليوسين، وإنما كان الشيء الذي يجهلونه هو الاسم الذي يجب أن يُسمّى به هذا النموذج.

      في الواقع، يندر أن يهرب خطيبٌ من النافذة لحظة الزواج، ذلك أنّ هذه الحركة لا يستطيعها كلُّ فردٍ من الناس.

      ومعَ ذلك ما أكثر العرسان الذين هم ممن يستحق التقدير، ولا يعوزهم الذكاء، قد أحسّوا لحظة زواجهم بالحالة النفسية التي أحسّها بودكوليوسين.

       كذلك لا يصرخ جميع الأزواج في كل مناسبة قائلين: ” لقد أردتَها يا جورج داندان” . ومع ذلك ما أكثر ملايين وملايين المرّات التي كرّر فيها أزواج الكون بأسره تلك الصيحة الصادرة عن القلب، بعد انقضاء شهر العسل أو حتى غداةَ يومِ الزفاف!

        لا حاجة بنا إلى الإفاضة في الكلام على هذه المسألة، وحسبنا أن نقرّر أن الخصائص البارزة المميزة التي تتصف بها هذه الشخصيات ( على اختلافها ولا يقصد العادية فقط) تكون في الحياة الواقعية أقلّ نتوءًا، ولكن جميع أمثال (جورج داندان) وجميع أشباه (بودكوليوسين) موجودون في الواقع حقًّا، فهم يضطربون من حولنا، ويسعون أمام أعيننا، لكن بسِمات مخففة وملامح مطيّفة.

ويجب أن نضيفَ إلى ذلك، لنختم هذا الكلام الذي يوشك أن يصير إلى مقالٍ في النقد الأدبي.

غير أنَّ هناك سؤالًا يطرح نفسه علينا دائمًا:

ما الذي يجب أن يفعله كاتب الرواية الذي يقدّم لقرّائه أشخاصًا عاديين تمامًا؟ في سبيل أن يثير اهتمام هؤلاء القرّاء بهذه الشخصيات العاديّة لو قليلًا!..

         إنه ليستحيل على كاتب الرواية أن يحذفهم من قصّته؛ لأن هؤلاء الناس العاديين – هم في كل لحظة وفي أكثر الأحوال – النسيجُ الذي لا غنى عنه، الذي عليه تسلسلُ وقائعِ الحياة، وأحداث الأيام.

          فإذا حذفناهم، كنا نجرّد الرواية من صفة الصدق، ونحرمها من مزيّة الانطباق على الحقيقة.

          هذا عدا أن ملء الروايات بنماذج وشخصيات غريبة، وخارقة، إنما يبعدها عن الواقع، فلا تحظى بتصديق القارئ، وقد لا تثير تشوقه.

      وفي رأينا أنّ الكاتب يجب عليه أن يحاول اكتشاف ألوان طفيفة فيها إثارة للاهتمام، وفيها إيحاء وإلهام، حتى لدى هؤلاء الأشخاص العاديين.

       ولكن حين يحدث مثلًا أن تكون الصفة الأساسية لبعض الأشخاص العاديين هي أنهم عاديون على نحوٍ ثابتٍ مستمر، أو أنهم مع جميع جهودهم التي يبذلونها للخروج من العاديّة, والعامّية، فإنهم ما ينفكون يرجعون إلى العادية والعامّية رجوعًا لا برء منه، فإنّ هؤلاء الأشخاص العاديين يكتسبون بذلك صفة النموذج! .

       فيصبح لهم ما للنموذج من قيمة، فهم عندئذٍ يمثّلون (العاديّة) التي لا تريد أن تبقى عمّا هي عليه، وإنما تهدف إلى بلوغ الأصالة بأيِّ ثمن، وتسعى إلى تحصيل الاستقلال مهما كلّف الأمر، دون أن تملك للوصول إلى ذلك أيّةَ وسيلة من الوسائل.

        فإلى هذه الفئة من الناس (العامّيين) أو (العاديين) ينتمي بعضُ أشخاص قصّتنا هذه، الذين أعترف بأنه لم يوضحوا للقارئ حتى الآن ( وردت تلك الشخصيات التي عرض لأجلها دوستويفسكي هذا العرض الواسع منذ بداية الرواية، ولم يوضح ماهية تلك الشخصيات إلا في في الثلث الأخير من الرواية تقريبًا! )

       لا شيء أدعى إلى انزعاج المرء مثلًا من أن يكون غنيًّا، وابنَ أسرةٍ كريمة، وحسنَ الهيئة، وعلى جانب من الثقافة، وغير غبيّ، بل طيّبًا، ثم يجد نفسه أنه بلا موهبة! ولا ينفرد بأيّة سمة شخصية، ولا أيّة صفة مميزة ولو صغيرة، وأن لا يكون له تفكيرٌ خاص، أي أن يكون بسهولة شخصًا كسائر الأشخاص تمامًا!..

       فهو غنيٌّ لكنه ليس روتشيلد، وهو ذو اسم محترم لكنه لم يتميز في يوم من الأيام بشيءٍ يجعله مرموقًا، وهو حسن الهيئة لكنه لا يُحدِث ي من يراه أثرًا كبيرًا، وهو قد نال حظًّا مناسبًا من التعليم، لكنّه لا يملك أفكارًا شخصية ومستقلّة، وهو صاحبُ قلبٍ حسّاس لكنه لا يتمتع بنفس كبيرةٍ عظيمة، وهكذا دواليْك من جميع النواحي.

     وبين الناس عددٌ كبير من هذا النوع من الأفراد، أكبرُ كثيرًا مما يمكن أن نتصور، وهم ينقسمون كسائر البشر إلى فئتين أساسيتين:

فأمّا الأولى، فهي فئة الأفراد المحدودين.

وأما الثانية، فأفرادها (أكثر ذكاءً) .

        إنَّ أفراد الفئة الأولى أسعدُ من الفئة الثانية، فالإنسان العاديّ التقليدي المحدود الذكاء، يستطيع بسهولة أن يظنّ أنه فذّ، وأنّه أصيل، ويمكن أن يطمئن إلى هذا الظن، ويسعد به …

( حذفت من ههنا كلامَ دوستويفسكي مما أطنب فيه عن هذا القسم الأول من هذه الفئة، ويمكن الرجوع للرواية)

        أما الفئة الثانية من العاديين الأكثر ذكاءً التي ينتمي إليها بطلنا، فهو وإن يكن قد ظل من أخمص قدميه إلى قمة رأسه يحترق رغبةً ليكونَ رجلًا ذا أصالةٍ وتفرّد.

      فهذا الإنسان العاديّ الذكي إن ظنّ في بعض الظروف بأنه إنسان قد أوتي عبقريةً وأصالة، فهو يظل محتفظًا في قرارة قلبه بدودة شكّ، تظلّ تأكله إلى أن ترميه أحيانًا في هُوّة اليأس الكامل. ولو أذعن فهو يذعن متسممًا بعاطفة الغرور المكبوح المكظوم.

      وفي أغلب الأوقات فإنّ مصير هذه الفئة الذكية من الرجال العاديين لا يكون فاجعًا، وكل ما يحدث لهم في أكثر التقدير هو أن يصابوا بمرضٍ في الكبد، بعد عدد من السنين، فإلى هذا يصير عذابهم كلّه.

       ومع ذلك فإنهم قبل أن يهدؤوا وقبل أن يذعنوا، فهم مستمرون خلال مدة طويلة منذ سنّ الشباب إلى سن النضج، بارتكاب حماقات تلو حماقات، لا يدفعهم إلى ذلك شيءٌ غير الرغبة في التفرّد والبحث عن الأصالة! .”

 

     والوصف الذي أفاض فيه دوستويفسكي هو وصفٌ مطوّلٌ أخّاذ، في بُعد نظره وثقوب بصره عن فئة حقيقية وكيفية تصويرها روائيًا، وقد استعان دوستويفسكي في تمثيله عليها من الأدب الروسي بشخصيات وردت عند جوجول في عدد من أعماله، وبيّن هذا النص أن دوستويفسكي قد تمعّن تمعنا بصيرا في الشخصيات الروائية الواردة في أعمال من سبقه من الروس، وأبرزهم جوجول، فأعانه ذلك على رسم شخصياته وعلى إبراز خفاياهم النفسية أحسن إبراز! .