(عقدة الحدّار).. والرقيب الضمني!

عقدة الحدار
تحيّرتُ بدءًا في الصيغة التي تكون عليها هذه القراءة، أتستقل بالنقد التطبيقي الذي يضع جسد الرواية تحت مباضع صاغها بروب أو غريماس أو بارت وأخيرا تودوروف؟ أم تشرع الذائقة أجنحتها في سماء الرواية فتتلقف المواطن التي نظرت إليها في تحليقها وتبصّر بما استحسنته أو ساءها، فلا تحدّها المصطلحات المتغازرة في تحليل يسرف في العلمية حتى يذهب بجمال الكل.
لكنّ الرأي استقل في نهاية الأمر على أن تكون الذائقة هي الدليل، أما المعرفة النقدية فخريطة هادية للحكم الفصل بين ذائقةٍ ذاتية تخشى أن تجور، وموضوعية مزعومة مما لا يزال نقّاد الأدب يطاردون ثباتها الذي تخضع له النصوص على السواء؛ لم أرَ أن يكون محلّها في تدوينة تثقلها تلك المصطلحات.
جاءت قرائتي للرواية بعد أن مضى زمنٌ ليس يسيرًا على القطيعة التي حجبتني عن النتاج الروائي العربي –فضلا عن المحلّي- لأمور ذاتيّة أكسبتنيها التجارب القرائية الأولى؛ إذ خرجت بخلاصة بعد قراءات وافرة لروايات عربية خلصت منها أنها كإبل مائة، قلّما تجد فيها راحلة. فاقتصرت في مقروئي الروائي على أمهات هذا الفن من أواخر ما صدر عن العالمين الغربي أو ما سواه من العوالم التي التمعت فيها أسماء حققت مجدًا في هذا الفن.
إلا أنّ عينًا لم تغمض لي بقيت ترقب من بعيد ما يصدر في المحيط العربي ويبرز، فأيقنت يقينًا رسّخته المشاهدة وصدى ما تتركه تلك الإصدارات على المشهد الثقافي والنقدي، أن التجربة الروائية في محيطنا العربي –بخاصة- تعدّ من أخطر التجارب الأدبية على الروائي العربي، فإن شاء كاتبٌ اقتحام ميدانها، فعمله يشبه أنه يختار التورط في مغامرة مخيفة في أدغال مزروعة بالشوك والمجهول؛ لما يحفّه من تحديات شتى، ربما أبرزها تتجلى في منافسة النتاج المترجم ذي المستوى الرفيع، وبلوغ المنزلة المرضية باستثمار معطيات واقعه التاريخي والاجتماعي وما يصله بقرائه ويعبّر عن واقعه، يضاف إلى ذلك شدة الحاجة إلى بصيرة يقظة بأدوات هذا الفنّ المستحدث مع التمتع بموهبة لا انطلاق لروح كاتبها من غيرها.
هذه المخاطرة واليقظة بمخاوفها رأيتها أنصع ما تكون في فاتحة رواية (عُقدة الحدّار) حتى إنك تجد اللغة المترقبة المشحونة بالريبة والخوف، والعبارات المتلفتة المذعورة تلك التي كتب بها صاحبها استهلاله للرواية، تذكرك بمخاوف (الرقيب الضمني)* فكأنها تنبئ عن شعور الروائي في رهبته التي يخفيها، من الشروع بقالب فنّي وجد نفسه منساقًا إليه؛ إذ أصبح هذا القالب الفنّي هو ديوان شعر الأمم -على اختلافها في العصر الحديث- بعد أن أفل نجم القصيدة.
فانظر مثلًا إلى أن الخوف يتجاوز راوي الحكاية، فيصل إلى (ورق المخطوط) الذي دُوّنت فيه تلك الحكاية المنسوبة لشخصٍ مغمور، ذلك الشخص ليس إلا أنموذجًا للبدوي الذي عاش في مرحلة هي الأخرى مغمورة وغامضة في التاريخ، لا نكاد نعلم عنها إلا ما تركته ذاكرة الآباء تسلسل من أفواههم الحكايات فتزيد وتنقص، وتقترب وتبتعد من الواقع والخيال معًا.
يختار خليف الغالب أن يتولى سرد حكايته (راوٍ مشارك) من ضمن شخصيات الرواية، يشهد الوقائع ويتصدى بتخليدها في (المخطوط= الخائف) هذا الراوي منتزع من بيئة مضادة لبيئة البطل، إنها الحضارة في صورة (عبداللطيف البصري) التي تكفلت بحفظ ذاكرة (البداوة والبطولة لمطلق) وعلى مدى الرواية تبرز الحضارة في صورة عداء خفيّ مع البداوة.
يبتدئ الراوي السرد في تردد وتخوف لا يُعلم منشؤه، فيلقي على القارئ حمولة من الأوصاف الدالة على غرابة الحكاية، وتسببها بجملة من المتاعب كالأرق والتشتت الذهني، والتحيّر الملحّ الذي حال دون جريان حياته على صورتها، مما أجد معه مبالغةً في رسم تلك المشاعر قبل أن أتلقى شيئًا يجعلني أسوغ للراوي شعوره، ففرض الحالة النفسية بتلك الرهبة المبالغ بها على القارئ بالتكرار المتعاقب لم يكن له معنى في الرواية.
ولكي تخرج تلك الشخصية التي جُعلت مؤتمنةً في نقل أحداث الرواية وتصويرها واقعًا حقًّا من حصارها التي تطالب به بالدقة في النقل، فإنها تسرف في التسويغات والاعتذارات، قبل أن تنبلج أضواء الأحداث، فبَدَت التوطئة للحكاية مثقلة بالضبابية عوض أن يمسك بيد القارئ لتوطئة واضحة تجعل للغموض لذّته بعد ذلك، كما كان الاعتماد فيها على اللغة  الشعرية والمقطوعات الرمزية -التي وإن حسنت لغةً وتصويرًا-، إلا أن سياقها من السرد كان مجحفًا بحقّها وبحقّ السرد معًا.
أما بعد أن تبتدئ الحكاية مجراها ويسترسل الراوي في القصّ، فتجد أنه محسنٌ في تصوير البيئة المادّية المحيطة؛ إحسانًا يجعلها ماثلة أمامك رأي العين، لكن تيار السرد يفاجئك بالسرعة التي تتخذ من عنصر المفاجأة والمصادفة في الأحداث ما لا يجعلك تشعر بتعب الرحلة في الحدرة، ولا بدواخل نفوس أصحابها بما يكون مكافئًا لحدث جسيم ينقل الشخصية الرئيسة من حالة الحرية إلى حالة العبودية،  فلم يشعر القارئ بالحرج الموجع أو بمشقة السفر التي كان يلزم على المؤلّف أن يضاعف من الوصف -بمستوياته المختلفة- ليبلغ القارئ ورطة مطلق التي جعلته يجازف في الحل الذي عرضه على رفاقه.
 فعنصر الوصف ضعيف لا يبلغ المدى الذي يجعل من الأحداث الكبرى تبلغ ذروتها المنطقية. فكأن الروائي يضمر في نفسه أحداثًا رئيسة مرسومة بعينها، فهو يسعى  ليصل إليها قافزًا حاجز المنطقية المطلوبة.
فموت الناقة (المفاجئ) يلجئ مطلقًا إلى الحرج الشديد فعرض نفسه للبيع، وعثرة سيده (المباغتة) بعد أن اشتراه فورًا؛ تجعل مطلقًا يتلفظ بما يدهش سيده فيسأل عما نطق به؛ فإذا بذاكرة السيد الشيخ حاضرة فورًا لاسترجاع مقتل والد مطلق، وعلمه بتفاصيل ميتة والده واسم قاتله! .
لكنّ القارئ يدهش كيف لحدث غير رئيس أن يزخر بتلك التفاصيل، ويأخذ فوق حقه من الوصف، عندما يدخل ناصر للسوق بحثًا عن مطلق، فيصادف النجف تشهد جنازة لشيخ من شيوخها! .
أخيرًا، كان للرواية أن تكون أشدَّ أسْرًا، وأرسخ في الذاكرة والنفس، وألذّ وقعًا في وصفها؛ لو تهيأ لها الزمان الكافي لتختمر في وجدان صانعها فيكسوها ما يليق بها من الوصف والتفاصيل، والحبكة المتينة.
فعمل توفرت له الفكرة البديعة، والمعرفة التاريخية والجغرافية التي رسمت فضاءه في النفس بدقّة، واللغة السهلة القريبة، رغبت لها أن تستتمَّ جمالها، بمنطقية السرد وإسباغ الوصف الذي كان سيهيئ لها في الذاكرة مكانةً أجمل.
وأنا على ثقة أنّ عملًا يمثّل باكورةً من بواكير الإبداع الروائي عند منشئه؛ ينبئ بموهبة ستتفتق عن قريب بإذن الله بما يكون من الأدب الروائي العربي الذي يُفخر به.
___________
الرقيب الضمني: مصطلح للدكتور سعد البازعي، ورد في محاضرة تحمل المصطلح نفسه، وهو دالّ على حالة القلق والخوف المضمرة لدى الكاتب أو الأديب أثناء إنشائه الرسالة أو النصّ، وذلك القلق لا ينفكّ عن المبدع؛ لكونه يتمثّل المجتمع والمحيط الذي سيتلقى عمله قبل تمامه أو نشره، فالمبدع رهينٌ لناقد مضمر في نفسه قبل أن يتلقاه غيره! .
صورة

أبعاد الشخصية التقليدية في الرواية ( مقال لدوستويفسكي) .

كيف يمكن أن يخلق الروائي الواقعيّ نموذجًا للشخصية العاديّة المجردة من مزايا البطولة؟

دوستويفسكي يجيب..

images

 

 

       إنّ معالجة الرواية الواقعية التي برزت في الأدب الروسي (بصورة أكثر وضوحًا وشيوعًا)   قد أثارت عند بعض الروائيين قضيةَ الشخصيات الهامشية التي تقوم بإزاء شخصية البطل، تلك التي ليس لها حظٌّ من مقوّمات التميّز..

        وهذا النصُّ الذي سأورده، مقتبسٌ من رواية (الأبله) لدوستويفسكي، حيث كانت روايةً زاخرة بنماذج شخصية متباينة في طبائعها وأمزجتها وذكائها، جمعتها الرواية في قالب شديد السبك غير متنافرٍ فيما بينه، وكثيرا ما كان يقطع دوستويفسكي السرد كعادته، ويُروِّح عن قارئه بنصٍّ هو أقرب للنقد الاجتماعي، أو للنقد الأدبي، من أجواء الرواية السردية والوصفية.

         فهذا النصّ يحمل دلالاتٍ عميقة تعين القارئ مزيدًا من العون في أن ينفذ إلى الروح الداخلية للشخصية التي هو في سبيل إيضاحها، ولينفذ إلى أغوار المجتمع الذي تحجب حقيقته سحائبُ من التقاليد والعادات والرسوم التي اصطلح عليها الناس في ذلك المجتمع.

        وجاء هذا العرض في بداية الفصل الأول من الجزء الرابع للرواية ( ج:2 / ص: 253 وما بعدها) خصّصه دوستويفسكي للحديث عن النماذج الشخصية الروائية بعامّة، وكيفية بناء الروائي للأنموذج الفني للشخصية، ثم أفرد حديثه مستفيضا عن أنموذجٍ يمثل فئة مجتمعية لا غنى عنها في الأدب الواقعي –تحديدا- ولا سبيل إلى تجاوزها.

        بل إنّ لها من تحريك الأحداث الشأنَ الكبير، وهي تؤثر على الأبطال الحقيقيين، وهذه الفئة هي أكثر مادة المجتمع، ألا وهي فئة ( الشخصية العاديّة ) أو ( الناس التقليديين ) المتجرّدين من كل مزيّة بطولية، بما في معنى البطولة: إيجابًا أو سلبًا..

           فقد توجّه همُّ أغلب الروائيين والقصّاص إلى رسم الأنموذج البطل وإبرازه، أو الأنموذج الشاذّ أو المميز عن أغلبية الناس، لكنهم لم يتعرضوا مطلقًا للشخصية العادية التي لا تمتاز بشيء، وليس لها في واقعها إلا السعيُ إلى إثبات اختلافها ولو كان ذلك الاختلاف لا يتحقق إلا في الشذوذ عمّا ألفه الناس، وإلى تكلّف ما يضاد طبيعتها العادية؛ سعيًا منها لإثبات نفسها واختلافها الذي لا يقوم له سببٌ من طبيعتها، وهذا الملمح الفنّي الذكي من دوستويفسكي كان سعيًا عبقريًا ليصف به شخصية (جانيا) وأخته (فاريا) ..

       إنّ سقوط هذا النص من رواية الأبله ما كان ليطلعني على حقيقة هاتين الشخصيتين، ولا إلى إدراك مسعاهما، ولا إلى أهمية تلك الفئة التي لم أكن أفكر بها قبل ذلك! هذا النصّ قد أكّد لي أن دوستوييفسكي ناقدٌ بصير في الأدب والرواية قبل أن يكون روائيًا! .

       فيقول دوستويفسكي عن هؤلاء وعن قضية رسم النماذج الروائية:

” … هناك أناسٌ يصعب على المرء أن يقولَ فيهم شيئًا يصفهم ويصوّرهم دفعةً واحدة, في أبرز ما يخصّهم، وأوضح ما يميّزهم، أولئك هم الذين اُصطلِح على تسميتهم باسم (العاديّين) وهم أكثريّة المجتمع في الواقع.

        إنّ الأدباء يجهدون في رواياتهم وأقاصيصهم، أن يختاروا نماذجَ اجتماعية، وأن يرسموا هذه النماذج الاجتماعية في أقوى صورةٍ جذابة وأجمل أداءٍ فنّي.

        وهذه النماذجُ لا توجد في الحياة كاملةً ذلك الكمال إلا استثناءً، غيرَ أنّ هذا لا ينفي أنَّ الأفرادَ الذين يُصَوَّرون هذا التصوير هم أقرب إلى الواقع من الواقع نفسه إن صحّ التعبير.

       إنّ شخصية (بودكوليوسين)، قد تشتمل على مبالغة من حيث كونها أنموذجا، ولكنّها ليست وهمًا صنعه الخيال، فما أكثر الأذكياء الذين ما إن عرفوا شخصية بودكوليوسين التي صوّرها (جوجول) في مسرحيته، حتى وجدوا بين أصدقائهم ومعارفهم عشرات، بل مئات من الأفراد يشبهون هذه الشخصية، كما تشبه قطرةٌ من الماء، قطرةً من الماء! .

      بل إنّ هؤلاء الأذكياء كانوا- حتى قبل قراءة جوجول – يعرفون أنّ أصدقاءهم يشبهون بودكوليوسين، وإنما كان الشيء الذي يجهلونه هو الاسم الذي يجب أن يُسمّى به هذا النموذج.

      في الواقع، يندر أن يهرب خطيبٌ من النافذة لحظة الزواج، ذلك أنّ هذه الحركة لا يستطيعها كلُّ فردٍ من الناس.

      ومعَ ذلك ما أكثر العرسان الذين هم ممن يستحق التقدير، ولا يعوزهم الذكاء، قد أحسّوا لحظة زواجهم بالحالة النفسية التي أحسّها بودكوليوسين.

       كذلك لا يصرخ جميع الأزواج في كل مناسبة قائلين: ” لقد أردتَها يا جورج داندان” . ومع ذلك ما أكثر ملايين وملايين المرّات التي كرّر فيها أزواج الكون بأسره تلك الصيحة الصادرة عن القلب، بعد انقضاء شهر العسل أو حتى غداةَ يومِ الزفاف!

        لا حاجة بنا إلى الإفاضة في الكلام على هذه المسألة، وحسبنا أن نقرّر أن الخصائص البارزة المميزة التي تتصف بها هذه الشخصيات ( على اختلافها ولا يقصد العادية فقط) تكون في الحياة الواقعية أقلّ نتوءًا، ولكن جميع أمثال (جورج داندان) وجميع أشباه (بودكوليوسين) موجودون في الواقع حقًّا، فهم يضطربون من حولنا، ويسعون أمام أعيننا، لكن بسِمات مخففة وملامح مطيّفة.

ويجب أن نضيفَ إلى ذلك، لنختم هذا الكلام الذي يوشك أن يصير إلى مقالٍ في النقد الأدبي.

غير أنَّ هناك سؤالًا يطرح نفسه علينا دائمًا:

ما الذي يجب أن يفعله كاتب الرواية الذي يقدّم لقرّائه أشخاصًا عاديين تمامًا؟ في سبيل أن يثير اهتمام هؤلاء القرّاء بهذه الشخصيات العاديّة لو قليلًا!..

         إنه ليستحيل على كاتب الرواية أن يحذفهم من قصّته؛ لأن هؤلاء الناس العاديين – هم في كل لحظة وفي أكثر الأحوال – النسيجُ الذي لا غنى عنه، الذي عليه تسلسلُ وقائعِ الحياة، وأحداث الأيام.

          فإذا حذفناهم، كنا نجرّد الرواية من صفة الصدق، ونحرمها من مزيّة الانطباق على الحقيقة.

          هذا عدا أن ملء الروايات بنماذج وشخصيات غريبة، وخارقة، إنما يبعدها عن الواقع، فلا تحظى بتصديق القارئ، وقد لا تثير تشوقه.

      وفي رأينا أنّ الكاتب يجب عليه أن يحاول اكتشاف ألوان طفيفة فيها إثارة للاهتمام، وفيها إيحاء وإلهام، حتى لدى هؤلاء الأشخاص العاديين.

       ولكن حين يحدث مثلًا أن تكون الصفة الأساسية لبعض الأشخاص العاديين هي أنهم عاديون على نحوٍ ثابتٍ مستمر، أو أنهم مع جميع جهودهم التي يبذلونها للخروج من العاديّة, والعامّية، فإنهم ما ينفكون يرجعون إلى العادية والعامّية رجوعًا لا برء منه، فإنّ هؤلاء الأشخاص العاديين يكتسبون بذلك صفة النموذج! .

       فيصبح لهم ما للنموذج من قيمة، فهم عندئذٍ يمثّلون (العاديّة) التي لا تريد أن تبقى عمّا هي عليه، وإنما تهدف إلى بلوغ الأصالة بأيِّ ثمن، وتسعى إلى تحصيل الاستقلال مهما كلّف الأمر، دون أن تملك للوصول إلى ذلك أيّةَ وسيلة من الوسائل.

        فإلى هذه الفئة من الناس (العامّيين) أو (العاديين) ينتمي بعضُ أشخاص قصّتنا هذه، الذين أعترف بأنه لم يوضحوا للقارئ حتى الآن ( وردت تلك الشخصيات التي عرض لأجلها دوستويفسكي هذا العرض الواسع منذ بداية الرواية، ولم يوضح ماهية تلك الشخصيات إلا في في الثلث الأخير من الرواية تقريبًا! )

       لا شيء أدعى إلى انزعاج المرء مثلًا من أن يكون غنيًّا، وابنَ أسرةٍ كريمة، وحسنَ الهيئة، وعلى جانب من الثقافة، وغير غبيّ، بل طيّبًا، ثم يجد نفسه أنه بلا موهبة! ولا ينفرد بأيّة سمة شخصية، ولا أيّة صفة مميزة ولو صغيرة، وأن لا يكون له تفكيرٌ خاص، أي أن يكون بسهولة شخصًا كسائر الأشخاص تمامًا!..

       فهو غنيٌّ لكنه ليس روتشيلد، وهو ذو اسم محترم لكنه لم يتميز في يوم من الأيام بشيءٍ يجعله مرموقًا، وهو حسن الهيئة لكنه لا يُحدِث ي من يراه أثرًا كبيرًا، وهو قد نال حظًّا مناسبًا من التعليم، لكنّه لا يملك أفكارًا شخصية ومستقلّة، وهو صاحبُ قلبٍ حسّاس لكنه لا يتمتع بنفس كبيرةٍ عظيمة، وهكذا دواليْك من جميع النواحي.

     وبين الناس عددٌ كبير من هذا النوع من الأفراد، أكبرُ كثيرًا مما يمكن أن نتصور، وهم ينقسمون كسائر البشر إلى فئتين أساسيتين:

فأمّا الأولى، فهي فئة الأفراد المحدودين.

وأما الثانية، فأفرادها (أكثر ذكاءً) .

        إنَّ أفراد الفئة الأولى أسعدُ من الفئة الثانية، فالإنسان العاديّ التقليدي المحدود الذكاء، يستطيع بسهولة أن يظنّ أنه فذّ، وأنّه أصيل، ويمكن أن يطمئن إلى هذا الظن، ويسعد به …

( حذفت من ههنا كلامَ دوستويفسكي مما أطنب فيه عن هذا القسم الأول من هذه الفئة، ويمكن الرجوع للرواية)

        أما الفئة الثانية من العاديين الأكثر ذكاءً التي ينتمي إليها بطلنا، فهو وإن يكن قد ظل من أخمص قدميه إلى قمة رأسه يحترق رغبةً ليكونَ رجلًا ذا أصالةٍ وتفرّد.

      فهذا الإنسان العاديّ الذكي إن ظنّ في بعض الظروف بأنه إنسان قد أوتي عبقريةً وأصالة، فهو يظل محتفظًا في قرارة قلبه بدودة شكّ، تظلّ تأكله إلى أن ترميه أحيانًا في هُوّة اليأس الكامل. ولو أذعن فهو يذعن متسممًا بعاطفة الغرور المكبوح المكظوم.

      وفي أغلب الأوقات فإنّ مصير هذه الفئة الذكية من الرجال العاديين لا يكون فاجعًا، وكل ما يحدث لهم في أكثر التقدير هو أن يصابوا بمرضٍ في الكبد، بعد عدد من السنين، فإلى هذا يصير عذابهم كلّه.

       ومع ذلك فإنهم قبل أن يهدؤوا وقبل أن يذعنوا، فهم مستمرون خلال مدة طويلة منذ سنّ الشباب إلى سن النضج، بارتكاب حماقات تلو حماقات، لا يدفعهم إلى ذلك شيءٌ غير الرغبة في التفرّد والبحث عن الأصالة! .”

 

     والوصف الذي أفاض فيه دوستويفسكي هو وصفٌ مطوّلٌ أخّاذ، في بُعد نظره وثقوب بصره عن فئة حقيقية وكيفية تصويرها روائيًا، وقد استعان دوستويفسكي في تمثيله عليها من الأدب الروسي بشخصيات وردت عند جوجول في عدد من أعماله، وبيّن هذا النص أن دوستويفسكي قد تمعّن تمعنا بصيرا في الشخصيات الروائية الواردة في أعمال من سبقه من الروس، وأبرزهم جوجول، فأعانه ذلك على رسم شخصياته وعلى إبراز خفاياهم النفسية أحسن إبراز! .

 

 

 

قراءة في قصيدة ( إلى أمي ) لمحمود درويش..

 

كان آخر ما نشرته عن عاطفة الأبوّة مع الابنة بخاصة، واليوم أعود لأنشر عن عاطفةٍ لا يحيط بها بيان، ولم أكن لأجرؤ على حشد الحروف لولا أني وجدت نفسي مضطرة للحديث عن قصيدة درويش وأثرها في نفسي!

unnamed

في إحدى المرّات التي صافحت فيها أذناي مطلعَ قصيدة درويش، واعترافه بالحنينِ إلى أبرز مظاهر الحياة اعتيادًا، وأيسرها مما تغصُّ بها تفاصيل أيامنا ونحن عنها في غفلة الألفة ودَعَة التعود، تذكرتُ مقطعا من رواية (تلك العتمة الباهرة) وقد كان من أرسخ المقاطع في ذاكرتي وأبقاها على تعاقب ما قرأت؛ لتنويهه بما غاب عنّا من نعم في لجج الاعتياد حتى تكاد النفس لا تحفل به.

يقول بطلها وهو في ظلمات سجنه:

نَّ أكثر الأمور الاعتيادية تفاهةً، تصبحُ في المحن العصيبة غير اعتيادية، لا! بل أكثر ما يُرغب فيه من أمور الدنيا)

ودرويش قد كنّى عن البلاء الذي استطال عليه بغياب تلك الحاجات اليومية البسيطة، ثم بنسبتها إلى أمه (خبزها / قهوتها / لمستها) ثم يسبقها بالفعل المضارع الذي يدلّك على استمرار هذا الحنين واستعاره، واستبداد تجدّده وتوقّده: (أحنّ) فأيُّ حنين!

وأيُّ شيءٍ أفزع على النفس من أن تُنتزع إبّان عيشها من أقدس مغاني الحياة، وتُحلّأ عن أعزَّ موردٍ منعّم، عرفت منه وبه حلو الحياة، عن الأمّ والوطن!.

إلا أنني أعود للمطلع فأستجلي عن خبرٍ مُبلغٍ عن تلك الفاجعة بلفظٍ مكافئ، فما أجده إلا أنه قد اكتفى بالحنين وحده، ولا يسخو فيبلغ ما يراد من تأدية المعنى، وما توصّلنا إليه لم يكن إلا بطول نظر واعتمالٍ للتأويل.

فأي نفسٍ تلك التي تُسلّطُ عليها عوادي الظلم، ويُحال بينها وبين ما تشتهي من موارد الحياة فلا تشكو سوى الحنين؟ إن الحنين في هذا المقام لآهةٌ رقيقةٌ لا تكاد تبلغ وصف دركات الشقاء، وأنَّةٌ واهنة لا تكشف مقادير التفجّع والتوجّع.

 

لكنّ درويش في المقطع الذي يليه يتفوّق، ويبلغ غاية النُجح في رسم صورةٍ شعريّةٍ خلّابة الخيال! لم يقع على بصري أو سمعي ما يقاربها روعةً وبهاءً، فهي تذكّرنا بأنفسنا لحظة مغيب أمهاتنا واختلال الحياة التي ظننا أنها بمجرد تطاول الأيام، واكتسابنا منها عمرًا، قد خولّتنا للاستغناء عن أمهاتنا، فإذ بالطفل فينا ينتبه مروّعًا! كأنما أيامُ البعد تغذوه فينمو، ويكبر وتكبر معه أشباح الخوف والهلع لمغيب أمهاتنا، وانظر إلى قوله خاصة:

وتكبرُ فيَّ الطفولة ..

وهي لفظة موحية شديدة الأثر والتخييل، كأنما استجمعتْ سحرها من قوله (فيَّ) فلم يقل: فأصغر أنا، فأعود طفلًا  -كما يُشاع عند من يقول: يبقى المرءُ رجلًا فإذا ماتت أمه عاد طفلًا، لا! بل إن الطفولة تقتحمه وتدهمه وتكبر داخله فتخيّل له بدءًا أن قادرٌ على احتمال البعد، حتى لا تبقي فيه سوى مظهر الرجل دون جَنانه وتثبّته واصطباره!.

ثم ينتقل من تلك الصورة المقلقة، إلى خبرٍ يسوقه إليك، كأنه يتجلّد فيه بعد جزع، وهو لا ينسى التعليل.. فيقول:

وأعشق عمري

لأنّي؛ إذا متُّ، أخجل من دمع أمي..

 

فها هو يقبل التضحية مختارًا، ويؤثرُ فوْتَ أمّه دونَ فوته، ويختار البقاء بعدها غيرَ مبالٍ بطفولةٍ جبّارةٍ جائرة، يتعاظم سلطانها وتلّحُ بحاجاتها التي ترى أن لا غنى لها بها عنها (الخبز، والقهوة، واللمسة)  فيضرب صفحًا عن تلك الطفولة الشقية، ويختار لها – إيثارًا على كراهة – أن يمتدَّ شقاؤها فلا يتعجّل مغادرة الدنيا، وليس للدنيا ملذات ولا طيّبات فيستبقيها حبّا لها، وما آثر الحياة إلا خشية التورّط في شقاء من كانت له مصدر سعاداته لحظة خمود أنفاسه ومواراته الثرى.

(فهيهات يا درويش تلك الأمنية! فلقد سبقت في فوتك، ومضيت ومضى الطفل فيك وما بلغ مآربه التي سكنته،  ولم يشفع له عند العمر عشقه إياه فيمهله!)

ثم انظر أيَّ منزلق قد انزلقت به كربات البلوى حتى جعلته ينحت صورًا مُعجبة من صخرة الأسى ومرارة الفقد، وأيَّ لوعةٍ وهجرٍ حُكم عليه فصيّر تشبيهاته ولوحاته في طلب العودة أرقَّ من الماء، فيقول مخاطبًا ( أمًّا ودارًا) :

خذيني إذا عدتُ يومًا

وشاحًا لهدبك

وغطّي عظامي

بعُشبً (تعمّد) من طُهْر كعبك

إلى نهاية القصيدة، فهو يستلذُّ قربها ويتنعّمُ به ويكفيه من ذاك القُرب لو كان (وشاحًا) أو (عظامًا) مغطاة بعشبٍ يختال باغتساله وتعمّده من أثر عَقِبيْها، وخلوصه خلوص الطهارة والنقاء بما مسّ من مواطئها الطاهرة المطهِّرة!.. بل يكفيه لو شُدَ شدَّ الموثّقِ الأسير بخصلةٍ من شعرها، ليشعر بحريّة روحه ..لا! بل إنه يكفيه أن يكون من القرب بمنزلة ما تعلّق بخيطٍ منسلٍ من ذيل ثوبها! .. ويكفيه أن يكون مجاورًا لها ولو أوقدت به تنوّرها، أو علّقت عليه ثيابها..

يكفيه كل ذلك مما تضاءل وتصاغر وهان واسترذل في العيون واستهانت به النفوس، ولكنه ما أن يلمس قرارة قلبها، حتى يستحيل إلٰهًا! ( ويا ليته إذ بالغ فأغرق، أن بدّل بلفظ اللمس فاختار المسّ، فإن موقعها أجدر في نظري وأشهى وأحلى! )

 

unnamed-1

بقي أن أقول فأختم:

إن نصَّ درويش من طراز محيّر، فلا أشكُّ هنيهةً بأن الصور الشعرية فيها تتفجر دفّاقة بمعانٍ يتولّد السحر منها ويستحوذ على القلب بسلطانه، بيد أنَّ تراكيبها المؤدية لتلك المعاني والصور وألفاظها المختارة لا تساوق المعنى في علوِّه وإبهاره وبهائه!

ومن نتيجة افتقار التركيب واللفظ إلى الروعة والانسجام أنه ليس للقصيدة إيقاعٌ وصوت يهزّك، باستثناء ما في تكرار لفظ (أمي) في مطلعها، ثم الاستعانة بكاف المخاطبة في المقاطع التي تليها: (هدبك/ كعبك/ثوبك/قلبك/نارك/دارك/نهارك/انتظارك)

وربما لذَّ وقعُ ذلك على طائفة، وارتأت في التكرار سرًا وسحرًا! إلا أنَّه في أذني ينبو ولا يجد أريحيةً أو قرارًا، ولا أرى في هذا التكرار المُضجر إلا إثقال المعنى بقيدٍ ترسف فيه الصور والمعاني، فما من شفيع لها عندي في باب الشعر، سوى اجتراح درويش لمعانٍ مبتكرة، وتوليده لصورٍ تكاد تثب وتهتزّ مما تضمره من الحياة والألوان! .

 

إلى ميزان الرجولةِ الأول، حبًّا وعرفانا!

“وكلُّ الناس يا أبتي مياهٌ
ووحدُك زمزمٌ يروي فؤادي! “
إذا كانت عاطفة الأمومة مفهومة – بالنسبة إليّ – لكونها عاطفةً تخوضها المرأة جسدًا وروحا طورا بعد طور، فتتنشّأ في مقامات الرحمة، ودرجات الحنان حتى لا يبلغ مكانتها أحد، وتتشرّبها جوارحها حتى تفيض بها..
 فإن عاطفة الأبوّة لا ينقضي تأمُّلي لها؛ لأن التجارب التي يخوضها الأب أقل مساسا به، وليست بظاهرة، ثم لا تفتأ أبوّته تتفجر دفاقة وبخاصة: إن كانت العلاقة بين أبٍ وابنته! 
 وفي الأدب والتراث شواهدُ يُغفل عنها ولا تستحضر سوى شواهد الوأد!
 عن رجال تهابهم الأبطال، أو تشهد الأخبار بأن معاركهم التي خاضوها إنما كان مبعثها أبوّتهم وبناتهم! 
فإذا أراد الأبُ الشاعر التعبير عن مبلغ انكساره، وذبول فؤاده وانفطاره، لم يجد أبلغَ من التوجّه بالخطاب إلا إلى ابنته، أو تصوير مشهدٍ تتسيده ابنته، ليُنبأ أظهر نبأ وأبينه عن تصرّف الدنيا فيه، ونيلها منه، ومطارح النوى التي طوّحت به الآفاق لأجل محبوبته وقطعة قلبه/ ابنته..
فمن مثل ابنته التي كانت له قادحة آماله، ومُورَيةَ عزمه؟ 
فانظر لأعشى ميمون الشاعر مصورًا ساعة رحيله لسعيٍ حثّته إليه أبوّته، وكيف تتوجّه إليه ابنته بالدعاء: 
“تقول بنتي وقد قرّبتُ مرتحلا … يا رب جنّبْ أبي الأوصابَ والوجعا
عليكِ مثلُ الذي صلّيتِ، فاغتمضي … نوماً فإنّ لجنب المرء مضطجعا “
أو قوله مصوّرا خطابهما:
تقول ابنتي حينَ جدَّ الرحيلُ … أرانا سواءً ومن قد يَتُمْ
أبانا! فلا رِمْتَ مِن عندنا … فإنا بخيرٍ إذا لم تَرِمْ
ويا أبتا، لا تزلْ عندنا … فإنا نخاف بأن نحترم
أرانا إذا أضمرتك البلادُ … نجفى ويقطع منا الرحم
فأنت ترى في الأبيات الأولى ابنته وهي تنطق بخوف ووجل بدعاءٍ تفزع به إلى الله، فيرقُّ الأب وينصدعُ صبرُه، وينفرط عزمه، فلا يجد أمرًا يوصيها به خيرا من النوم والاطمئنان، وأنّى لها ذلك؟
وتارةً يكشف لك خطابُها الذي لا تواري فيه فزعها من الفقد، ووجعها من الفراق، مبلغَ ذلك الخوف الذي يحيق بها، والهلاك الذي تراه يطيف بها مهددًا إياها إن غاب والدها، فترجوه البقاء، وتصارحه بأنه شعارُ أمنها، وجالبُ استقرارها، وأنه بقربه سيكفيها أمورًا لا احتمال لها بها ببعده عنها. 
ثم أذكر في سياق الأبوّة، والحرب، والأسر، ما نهجه أبو فراس الحمداني، عندما رثى نفسه في أسره رثاءً بديعا موجعا، لمّا أيقن بدنوّ الأجل.
فلم يكن أبو فراس أول من رثى نفسه قبل موته، فقد وُجد قبله غيره، أبرزهم: مالك بن الريب، لكن الخلاف بينهما بيّنٌ، فقد كان مالكٌ متوجها إلى نفسه بخطابها، بأسلوب التجريد كما يعرف عند البلاغيين (مخاطبة شخصين متوهمين، يمثل أحدهما في الحقيقة نفس الشاعر)، وقد يوجد عند سواه رثاءٌ للنفس بخطابها مباشرة دون اللجوء إلى التجريد، كأنهم لم يجدوا خيرا من أنفسهم ولا أعزَّ من هذه النفس المغدور بها بأن يتجه الرثاء إليها فيبلغها ويكون لها معذرة! .
إلا أنّ رثاءَ أبي فراس يفوق رثاء مالك بن الريب وغيره، وهو عندي أوجعُ وأمضُّ وأنفذُ في البيان؛ لكونه قد خرج عن هذا السَنن  في رثاء النفس، فلم يجد له من أحد يُشركه في مصابه، ويكون قسيمه في فاجعة نفسه أعزَّ من ابنته، فيتوجّه إلى خطابها، ويبلغها بالفجيعة قبل وقوعها، ويأمرها بالصبر والتحسّر والنَّوح معا! 
أبنيّتي، لا تحزني! … كلُّ الأنامِ إلى ذهابِ
أبنيّتي صبراً جميلا …. للجَليلِ مِنَ المُصَاب!
نُوحِي عَلَيّ بِحَسْرَةٍ ….من خَلفِ سترِك وَالحجابِ
قُولي إذَا نَادَيْتِني … وعييت عنْ ردِّ الجوابِ 
زينُ الشبابِ أبو فراسٍ… لمْ يُمَتَّعْ بِالشّبَابِ!
فشهوة الحياة والحسرة على الشباب قد تهون وتضمحلُّ في موضع الأسْر إلا على الأب! 
وانظر إلى قول شاعرٍ آخر عن بناته في معنى حبّ الحياة والاستمساك بها لا لذات الحياة، إنما لزينتها:
لَقَدْ زَادَ الحَيَـــاَة إِليَّ حُبّاً… بَنَاتِـي إِنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَاف
مخافة أنْ يَرَيْنَ البؤسَ بَعْدي … وأن يَشْرَبْنَ رنقاً بعدّ صافٍ
وأن يَعْرَيْنَ إن كُسِي الجَوَاري… فَتَنْبُو العينُ عن كَرَم عِجَافِ
ولولا ذَاكَ قد سَوَّمْتُ مُهْـري … وفي الرَّحْمنِ للضُّعَفاءِ كَافِ
فلله آباءٌ أدركوا تكاليف الأبوّة، حتى تعلمت بناتهم أبجديةَ الرجولة ومعناها! 💚

ما لم تدركه أعين (هوليود) !: زمن البغال المخمورة

إضاءة:
هذه القراءة ربما (أقول ربما ولا أجزم) أفسدت على من يرغب مشاهدة الفلم، فإن تكن عازما على مشاهدته فإني أفضّل أن ترجئ قراءة هذه التدوينة.
تحرير لعنوان الفلم:
في الأصل نُشر الفلم بترجمة تحمل عنوانَ ( زمنِ الخيول السكرانة) .
 وأرى أنها ترجمة حرفية لم تتحر الدقّة، إما بسبب المخرج ذاته الذي ترجمه للإنجليزية، أو لأسباب لا أعلمها، وسبب عنايتي وإسرافي في تتبع العنوان هو ما أعتقده من أهمية بالغة لدلالة العنوان ووضوحها؛ لكونها العتبة الأولى ومفتاح لما بعدها..
فوجدت أن الأحرى أن يكون: زمن البغال المخمورة.. لا الخيول؛ لأني ترقبت مشهدا واحدا للخيل ليكشف لي عن العنوان، فلم أجد غير البغال..

a-time-for-drunken-horses

وبعد مشاهدة الفلم تبيّن لي خطأ الترجمة وعدم عناية المترجم لمضمون الفلم.
واخترتُ: المخمورة، لأني على مذهب من لا يرى فصاحة كلمة (السكرانة) للمؤنث، ولكون الوصف (بالسكرى) وهو الأفصح مهجور الآن فاعتضت المخمورة عن (السكرانة) – وأراني أبيح لنفسي التصرف في الترجمة في غير موضع – 🙂 
A Time for Drunken Horses 2-750x460

-الرؤى التي تولدت في قلبي بعد الفيلم:

الشعور الذي أحسستُ به بعد انتهاء الفلم أعادني لبداياتي الجامعية – بخاصة – مع أيام الشتاء الجاف البارد، وبداية مرحلة دراسية تستغرق مني الركوب فجرا منذ الساعة السادسة صباحا للوصول إلى الجامعة، بعد أن أجوب طرقات أجد أني في غناء عن دخولها وأجد أن الأحرى أن لا أخرج إلا قبيل وقت الدوام الرسمي، متوجهة مباشرة للجامعة.
 ورغم أن الأمر لم يشكل على قريناتي ورفيقاتي، فإنني قاسيت في تقبّل معنى هذا التوهان اليومي السخيف، ومشكلة المواصلات الحمقاء، لقد كانت طريقة تفكيري المنطقية ومطالباتي في الحياة بالحلول المثالية مكدّرة لعيشي زمنا.. فتثقل علي أسئلة من نوع: ( لماذا يحدث كذا والأولى أن يكون كذا؟ لماذا تجري الأمور على خلاف ما تستلزم.. وسيل من الـ (لماذا) التي لا تجد جوابا ليجعل هذا الجوابُ الحياة أخفّ رهقا! ) 
حتى تكرر على مرأى عيني مشهدٌ جعلني أنفض عن نفسي مثالياتها، ومطالباتها الحياةَ بشروط تافهة. 
لقد هدم مثالية تفكيري ومطالبتي بالأكمل تأمُّلي الصباحي في ذلك الشتاء البارد، لعمالة وافدة حُشرت في مركبة ضيقة صالحة للبهائم أكثر منها صلاحيةً للبشر، وكانت تتجه يوميا لمنشأة حضارية هي واجهة للمدنية الحديثة ورفاهيتها.
( وما أعجب أن يتكرر حتى اليوم مشهد الفراعنة الذين يختالون بأهرامهم على حساب المستعبدين الذين أبدعوا ما أبدعوا تحت سياط القهر والإذلال! ) 
كان المشهد ينفذ لأقصى نفسي، ويزلزل منطقيتي، ويجعلني في مواجهة الحياة..
فما معنى أن تجد نفسك في مدينةٍ قصيّةٍ غريبة؟ محشورا مع جمع من البشر التعساء، تعرّض نفسك لمخاطر وأهوال لإنجاز بنيان لن يُذكر بعد تمامه أن يديك برعت في صنعه، أو أنّك لقيت في سبيل تجويده حتوفا لم تهمّ أحدا.
إنك لا تجني منه سوى ما يقيم أودك، ويضمن بللَ ريقك، وتعود بعد مشيبك وجفاف معينك (قوّتك الجسدية) إلى وطنك، وبيتك ثم تموت في صمت بعد تأديتك دورا تافها في الحياة كان ستارًا لك تظلل به معنى الوجود والغاية!
.. ثم تموت كما عشت: مجرد رقم لفظ أنفاسه
لقد كنت أفزع من نهاية الموت رقما، يذكر في نشرات الأخبار في أحسن الأحوال، أو في إحصائيات روتينية بليدة بلا اكتراث عن هُويّات القتلى والجرحى! .
حتى تبيّن لي أن هناك ما هو أسوأ من أن تموت عددا، وذلك أن تموت ولمّا تدخلْ في إحصائيات التعداد السكّاني أصلا، ولم تجهد الجهاتُ الرسمية بتسجيل اسمك، فلا يُعبأُ بك لأنك عبءٌ على آخرين، بل إن موتك يعدّ غنيمة لهم.
هنالك وعيت أنّ في الحياة وفي زماننا زمنًا قاتما، ومكانا مسيّجا بسرادق الشوك والبارود والدم المنسيّ، تسفك فيه الطفولة، وتُحارب الحياة فيه بلا هوادة، ثم تشقّ الحياة لنفسها طريقا متحديةً أسباب الموت..
وهنا لن تشاهد بهارج هوليود، ولا جهارتها المزيّفة، هنا الحياة إذ تبزغ رغما عن أعدائها، هنا الهامش الذي لم يتحدث عنه الإعلام! .

 

 

 

 

 

 

ملاحظة

الحليبُ والمداد! .

IMG_7626 (1)

المرأة بين مخاضيْن:

درَج عند الكُتّاب الأوائل تشبيهُ الكتاب بالولد، وإنزالهم الكتاب منزلته، هذا إن لم يكن عندهم فوق الولد!.
وأسرفوا في المفاضلة بينهما كما هو الشأن عند الجاحظ.
وكانت التجارب والشخصيات الأدبية منذ فجر التاريخ، كأنما خصّت ولادة الكتب بكونها مهمّة الرجال وحدهم، استأثروا بها دون النساء.
فلا يعجب أحدنا إذا قرأ ترجمةً لشخص آثر العلم والأدب وطلبه، على الأسرة وبنائها، وكان العكس محكوما بالندرة أو بالأصحّ: الشذوذ!.
فللنساء ولادة الأطفال والاعتناء بشؤون أزواجهن وأولادهن وحسبُ، وليس من شأنهن خوضُ عوالم العقل والمعرفة، بل والأدب.
حتى جاءت طائفة من الأمهات الكاتبات، والكاتبات الأمهات، لتغدو ولادتهنّ مزدوجة، فيضعن أطفالًا وكتبًا، ولقد استحال الحليبُ مدادا مدرارا يغذو من قرأ كلماتهن، كما يغذو حليبُهنّ أطفالَهنّ.

المرأة المؤلّفة في مواجهة السلطة الثقافية:

ساقت أليف شواهد غير يسيرة من شتى الثقافات عن نضال النسوة اللاتي يغريهن خضابُ المداد على خضاب الزينة، لتبيّن أن الشأن لم يكن شأن ثقافة دون أخرى.
لقد افترضت عدة أسئلة مربكة، اقتبستها من فرجينيا وولف (ماذا لو كانت لشكسبير أخت مبدعة لها ذات موهبته؟ )
هل كانت ستحظى بما حظي به؟ فيُعرف لها حقها من الموهبة وحظّها من العبقرية! .
وماذا لو أن صوفيا زوج تولستوي كانت هي الروائية التي لها عبقريته، أكان تولستوي سيعينها فينسخ مسوّدات روايتها على ضوء الشمعة الواهن بيده الكليلة، محتملا في سبيل زوجه، وممتلئا فخرًا وحبًّا؟
وأوردت شفق مقارنات بين زوجين مبدعين، يشقّ فيها الرجل حياته الإبداعية بيسر واطمئنان في مقابل زوجه، ولا تنزع منه الأبوّة ذرّةً من إبداعه، وكيف تغرق الزوج المبدعة بعد أمومتها في وابل من المسؤوليات التي تجعلها تتخلى عن رضا كل ما استطاعت في سبيل أبنائها، لتجد لاحقًا أنها ضحّت بما كانت تسعى إليه وبأخصِّ مواهبها، فتقول: ” قد لا تسبّب الأبوّة اضطرابًا هائلا في حياة الرجل، كما تفعل الأمومة في حياة المرأة” .
ووصفت المسؤوليات التي تقابل المرأة الموهوبة بوصفها زوجا مثالية، ومدبّرة منزل مخلصة، وأمًا منكرةً لذاتها بمثلّث برمودا! وكيف أن مبدعات لا عدد لهن من أقطار متوزّعة على الأرض، اختفين في دوامة برمودا تلك! .
لقد تذكرتُ وأنا أقرأ تاريخ النسوة اللاتي كنّ يجاهدن في سبيل حق إبداعهن بشباة القلم، ذلك السؤال الذي تحيّر منه بيجوفيتش عندما قال إنّ أحد الحجج التي احتجت بها الحركات النسوية في القرن الماضي، هو أن المرأة طالما عُرفت بوصفها أمًا لا غير، وآن الأوان لتُعرف بوصفها ذاتًا مستقلّة.
وكان سؤال علي عزّت بيجوفيتش عن الفارق بين المرأة أمًا والمرأة بوصفها ذاتا مستقلة، ولمَ هما شخصيتان متناقضتان؟ فقد اعتقد دائمًا بأنه لا يمكن أن يوجد شيءٌ أكثر ذاتية وغنى في شخصية المرأة من كونها أمًّا، فالأم أسمى شخصية.
ويبدو سؤال بيجوفيتش منطقيًا إن شوهد من زاوية مفصولة عن الإطار التاريخي والثقافي، فما الذي دعا الحركات النسوية لمحاربة ما هو أجلّ وظائف المرأة؟
إن الإشكال في ذلك هو ما عرضته إليف في كتابها، وهو خاصٌّ بالنسوة الممتلئات شغفا وخيالات خلّابة، وطاقات متفجّرة يردن لها فضاءً لم يُمنح لهن، فرأين أن الثقافة سلبتهن إياه لصالح الأمومة، فالتورط بالأمومة يجعل كل ما في المرأة مسخّرًا لأطفالها، ناذرةً في سبيلهم كل ما امتلأت به من طموحات وأفكار وحياة.
لقد بعثت شفق تجارب كاتبات سابقات، ووضعتها تحت ضوء الأمومة والواجبات، لتجيب عن سؤال ( ماذا لو كانت المرأة كاتبة – أي ذاتًا مستقلة بإبداعها- وزوجًا وأمًا في وقت واحد؟ )
فهل توفّق بين أدوارها بمهارة ونجاح دون التقصير بجانب منها؟
فقد كان يتهدد الكاتبات فيما مضى وما زال، جانبان لا يستهان بهما، الجانب الخارجي الذي تشكّله ثقافة المجتمع وما تفرضه على أصحابها، والجانب الداخليّ الشخصي للكاتبة الذي يجعلها منفلقةً لأجزاء، ومتذبذبة، ففيها الشخص المتحدي المغامر الذي يغريها بالمجازفة وكسر نمط الثقافة لفرض طاقتها الإبداعية عنوةً، وجانبها المتعقّل المتحلّي بالرصانة، الذي يملي عليها ما تفرضه الثقافة الخارجية.
فإن تغلبت على الجانب الأقرب ووفقت بين ما اختلف فيها، بقي التحدي الأكبر، والأضخم: العالم الخارجي.
لذا كان شعار الحركات النسوية شعارًا ضد المضمر في الثقافة، الذي لا يراعي في المرأة طاقاتها الإبداعية ويختزل دورها زوجة وأما، ولا يمد لها يد العون لتثبت أمومتها وإبداعها في آن.

-التجربة ولادة، والولادة تجربة:

لم يكن الكتاب خاصًّا بموضوع الأمومة والكتابة فحسب، بل رأيته أشملَ وأعمَّ..
فكان رمزًا عن كل التجارب التي نتوق إليها ونخشى خسران شيء من ذواتنا فيها، عن العوالم المغرية والمحفوفة بالمجهول.
عن خشيتنا من خسارة شكل الحياة التي ألفناها وسكنّا إليها واطمأنّت النفس في جوارها، لكنها تبقينا حيث نحن، ولا تجتاز بنا جسور أحلامنا.
ونظل في شوق إلى المضيّ والتجاوز، لولا أننا مقبلاتٌ على حياة مغيّبة وراء أستار المستقبل، وتضطرنا تلك الحياة في مسيرنا إليها على خوض اختبارٍ ممضّ على كل المستويات، داخليًا مع الذات، وخارجيًا مع المجتمع، حتى نرى في أنفسنا التي ظنّنا أننا نعرفها شخصيات غريبة عنّا، تكشّفت لنا وهي ما لا عهد لنا بها! .
قالت ذلك أليف في كتابها ضمن تجربة ما بعد ولادتها، فكأنها جعلت كل ولادة تجربة، وكل تجربة ولادة.
لقد كان كتاب (حليب أسود) بمنزلة المصباح الذي أضاء جوانب معتمة من روحي، وأعماقا سحيقة منسيّةً في ذاتي، لفّها الصمت، وتُركت للأيام حتى تواريها عني، رغم كونها هاجسا مقلقا يقفز إلى السطح إذا حلّ موقفٌ يزعزعها من قاعها، أو تورّطتُ بما يُضاد آمالي الزهيدة فيهددني بانتزاعها مني! فيغريني بالمغامرة والجهاد في سبيلها.
و دون شعورٍ بما سيحدثه الكتاب عند خروجي منه، فقد بعثر ما استجمعته في داخلي لزمنٍ غير يسير، وخبّأته في مكانٍ مظلم؛ ظانّةً أني بمنجى منه عندئذ، فقوّضت إليف شفق ذلك الوهم الساكن زمنا، بأسئلتها عمّا نريده وما نسعى إليه، نحن النساء الطموحات، اللائي نبني أحلامنا ونسعى لحمايتها، ونعلم أن المسعى إليها مضنٍ ومرهقٌ وشاقّ، فتارةً يهددنا المجتمع الخارجي؛ إذ تجد إحدانا ذاتها تلقاء ثقافة تفرض عليها شكلَ حياتها وتملي عليها ما يجب أن تكونه، وتارة نقع في فخٍّ داخليّ، بين ذواتنا المتشظيّة، ومسؤولياتنا وكيفية التوفيق بين مكانتنا في المجتمع، وبين ما تخيّله لنا آمالنا لنكونه.
لقد فهمتُ الأمومة في كتاب شفق، أنها قد تكون الأمومة على حقيقتها التي هي أقصى تجلّيات المرأة وخير وظائفها، أو أنها رمزٌ لمركزٍ مفروض علينا، له واجباته التي ينبغي أن نؤديها، بجانب طموحاتنا الكبرى، وكيف نوفّق بين كل الفرص التي قد تعرض لنا، ونمزجها مع مركزنا الأساس.
جاء على لسان امرأة الإصبع الدرويشة كما أسمتها ( وهي إحدى الشخصيات التي صورتها أليف على أنها جزء مكوّن من شخصياتها الداخلية المتناقضة) عندما فوجئت أليف بقبولها في برنامج الابتعاث وأصبح حلمها حقيقة، فثارت مخاوفها من خوض التجربة والإقبال على الفرصة، فردّت عليها الدرويشة التي بداخلها ناصحةً إياها بأن هذه المنحة الجامعية فرصة للسفر إلى الأعماق، لا السفر من أجل الدراسة وحدها، فكل تجربة وفرصة نخوضها تكشف عن زوايا مجهولة فينا، وتفجر نبعًا متدفّقا مخبوءًا في النفس، لا نعلمه في ظروفنا العادية، سيجعل ذاتنا أكثر نضرةً وازدهارا .
والزوايا التي يمكن قراءة كتاب شفق منها، زوايا متولّدة ولا نهاية لها، تشبه مرايا متقابلة، تولّدُ صورًا لا انتهاء لها عن الذات.
أرضخت أليف تجربة اكتئاب ما بعد ولادتها إلى نموذج أعمق وأشمل، وأثبتت أنها استطاعت أن تلد مع ابنتها كتابًا بديعًا طريف الموضوع! فالحليبُ الأسود، استعارة لطيفة للتوفيق بين جانبين ظنّ السابقون أنهما متضادان، يتدفّق الحليب ويتدفّق المداد من المرأة المبدعة دون تحيّز لجانب على الآخر، وهما تحدٍّ جبّار يستفزّ طاقات المرأة، وليس بمستحيل التحقّق.
وختامًا أعتقد أن قارئ هذا الكتاب لا يمكنه أن يخرج دون أن يحدث الكتاب فيه تغيّرا، فإن أحسن اختيار زوايته التي تعنيه في تجربته الخاصة، تفجرت له معانٍ لا قبل له بها! .

” اكتب عمّا تدري… تستكشف ما تجهل “

أشعر بحسرة عندما أرى أكوام الورق التي عكفت عليها أياما في سبيل فكرة، وتضمنت ساعات من وقتي وأنا أبحث وأجوِّد وأنقّح، لكن لم أجرؤ على بعثها من مهدها، وأبقيتها في مأمن النسيان.
عدم الرضا والسعي الدائب للوصول بالفكرة إلى غاية الكمال ذلك ما يجعل سعيي كأنه لم يكن، مع أن الأمر لا يعدو أن تكون مقالة على الشبكة، لا كتابًا علميًا سأحاسب عليه.

وأثق أن الكتابة لا يمكن أن يستجاد نسجها وتتطور، إن بقيت في معزل عن النشر.

تذكرت بيتا يعني لي كثيرا من قصيدة للبردّوني:
” اكتبْ عمّا تدري… تستكشف ما تجهل! “